السيد كمال الحيدري
14
شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي)
والمراد من العقل النظري : هو إدراك العقل لما هو كائنٌ وموجود . أمّا العقل العملي : فهو إدراك ما ينبغي أن يكون ويوجد ، وسيأتي تفصيل ذلك عند البحث في حُجّيّة الدليل العقليّ إن شاء الله تعالى . إذن المراد بالدليل العقليّ : هو إدراك العقل لأمرٍ واقعيّ يوجب الإذعان بالحكم الشرعيّ ؛ للملازمة بين ذلك الأمر الواقعيّ الذي أدركه العقل وبين الحكم الشرعي ، من قبيل أن يُدركَ العقل أنّ كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع ، وأنّ كلّ ما حكم العقل بقُبحِهِ يُقبِّحُه الشرع . فهذه القضيّة العقليّة يُمكن للعقل أن يستنبطَ منها حكماً شرعياً ، وهو حرمة الكذب مثلًا ؛ لأنّ الكذب قبيحٌ عقلًا ، لأنّ العقل يحكم ( أنّ الكذب قبيح ) هذه صغرى ، ( وكلّ ما حكم العقل بقُبحِهِ حكم الشارع بحرمته ) وهذه كبرى ، فيتشكّل قياس استنباط ، وتكون النتيجة : ( أنّ الكذب حرام ) . وبهذا يتّضح أنّ الدليل العقليّ ليس ما يُتبادر إلى الذهن من أنّه عبارة عن الدليل الدالّ على الحكم الشرعي - كما هو الحال في الدليل الشرعي - بل الدليل العقليّ هو نفس الإدراك والإذعان العقلي ، لا الدالّ عليه ، والسبب في ذلك هو أنّ الدليل العقليّ ليس فيه دالٌّ ومدلول ، كما في الدليل الشرعي ، حيث إنّ الدليل الشرعيّ دالٌّ على الحكم ، ومدلوله هو الحكم الشرعي . وهذا ما ذكره الشيخ الأصفهاني في نهاية الدراية بقوله : « بين الدليل العقليّ والدليل الشرعيّ فرق ، وهو أنّ دليليّةَ الكتاب والسنّة مثلًا بملاحظة دلالتهما على الحكم الشرعي ، بخلاف الدليل العقليّ . فإنّ مفاده الابتدائي أمرٌ واقعيٌّ أو جعليٌّ يكون الإذعان به موجباً للإذعان بالحكم الشرعي » « 1 » . ولتوضيح ذلك نذكر مثالًا يرتبط بالأُمور التكوينيّة ، ونُعرّج بعد ذلك
--> ( 1 ) نهاية الدراية : ج 1 ص 294 .